ابن الفارض

106

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

ومحبوبا ، بل محبّا لنفسه ، أي : ليس محبّتي غيري ، وهذا القول ليس كقول ( مرّ ) ، ومعنى [ 129 / ق ] قبل هذا أن نفسي حبيبتي ، وأشار بذلك إلى قول المحبوبة : ( حليف غرام أنت لكن بنفسه ) ، لأنه نفى هنالك محبة لنفسه ، وأثبت هنا ما نفاه ثمة ، فيرى صورة التناقض ، فاستدرك هذا المعنى بأنّ هذا القول ليس كقول مرّ ، يعني : ليست النفس المحكوم عليها بالمحبوبية والمحبّية ثمة ؛ لأن النفس المحكوم عليها هنا هي النفس الكليّة الأزلية الأبدية ، والنفس المنفي عنها ثمّة هي النفس الجزئية الحادثة الفانية ، فإن النفس الجزئية إذا فنيت عن تعيّناتها وتشخّصاتها بقيت كالنفس الكلّية ، وخرجت بها إليها من جزئيّتها خروجا لا يمكن الرجوع معها ؛ كما قال : خرجت بها عنّي إليها فلم أعد * إليّ ومثلي لا يقول برجعة اعلم أنه لم يعد إلى نفسه مذ خرج عنها ، لأنه خرج عنها بمحبوبته إلى محبوبته ، فكيف يعود إليها ؟ وقد قام بالمحبوبة قوله : ( ومثلي لا يقول برجعة ) أي : إلى نفسه المفارقة جعل نفسه كمطلقة غير رجعيّة ، وقوله : ( بها ) أي إلي بالمحبوبة تحقّق خروجي عن نفسي ؛ لأنه لو خرج بنفسه لما خرج عن نفسه ، وقوله : ( إليها ) أراد أنه انتهى خروجه بوصوله إلى المحبوبة ، فلا رجوع منها إلى نفسه ، وإلّا لم يكن المنتهى منتهى . ثم قال : وأفردت نفسي عن خروجي تكرّما * فلم أرضها من بعد ذاك ، لصحبتي وغيّبت عن إفراد نفسي ، بحيث لا * يزاحمني إبداء وصف بحضرتي أي : جعلت نفسي مفردة بائنة عن قيام خروجي بها لكرامتي ، وإذا كان الأمر كذا فلم أرض أن تصحبني النفس من ذلك الإفراد ، وغيّبت عن إفراد نفسي ، ونسبته إليّ بحيث لا يزاحمني إبداء وصف بسبب حضوري ، وإني بطبيعة ما لم يسمّى فاعله في [ 130 / ق ] قوله : ( وغيّبت ) ليدلّ على غيبته عن نفسه ، وكذلك لا يزاحمه وصف أبدي فحضرته في مثل ياء الضمير وهائه ، ومحل الهاء في قوله : ( لم أرضها ) منصوب بأنه مفعول الأول ، وكذلك محل ( لصحبتي ) بأنه مفعوله الثاني ، و ( الرضى ) إذا استعمل مع التاء ، أو عن لا يتعدّى إلّا إلى مفعول واحد نحو : « رضيت باللّه ربّا » ، و « رضي اللّه عنهم ورضوا عنه » ، وإذا استعمل بغيرها يتعدّى إلى مفعولين إلى الأول بنفسه ، وإلى الثاني باللّام نحو : « رضيت لكم الإسلام دينا » ، ومنه قول الناظم - رحمه اللّه تعالى - : ( فلم أرضها لصحبتي ) ثم أخبر عن مبدأ اتّحاده ومنتهاه منبّها ، بقوله :